في هذا الطَّرح أسعى الى تسليط الضَّوء على نظرة تحليليَّة سمَّيتها “خاصِّيَّة الرَّبط الشُّعوريِّ التصُّويريِّ” كمدخل لفهم آليّة الانتقاء للموجودات وتجلِّيها في الصُّورة الفنِّيَّة المتخيَّلة الّتي تتجسد على الواقع ملموسةً. وللكشف عن دور الحالة الشُّعورية في تكوين الرُّسومات الفنِّيَّة.

في ليالي الشّتاء الباردة، حيث أيّام عطلة منتصف العام الدّراسيّ، كان أنين الصّداع يعتصر رأسي بقوّة لأيّام، وكلّما حاولت التركيز على أفكاري، ازدادت الضّوضاء في ذهني. أغمضت عينيّ للحظات، وحاولت أن أبتعد عن الألم الّذي كان يضغط على جبهتي. لماذا تبدو الأسئلة هذه المرّة أكثر إلحاحًا؟ أسئلة لم تترك لي مجالًا للهرب، حتّى في لحظات الضّعف هذه. كيف يمكن للرّسم أن يكون مرآة للرّوح؟ كنت أتعذّب من أجل فهم هذا الرّابط الغامض بين ما نشعر به وما نراه على اللّوحة. أليس الفنّ مجرّد انعكاس لما نمر به من مشّاعر؟ أم أنَّ هناك شيئًا أعمق، شيء لا نستطيع تفسيره؟ كقوى خفيّة وراءه؟ لا أستطيع أن أهرب من التَّفكُّر في هذه الأسئلة، رغم أن الصّداع يشتد.

ففي تلك اللّحظات، بين الألم والتّساؤلات المتلاحقة، شرعتُ في التّأمّل فإنَّني وددتُ أن أسبر الأغوار البعيدة ليس بعبثٍ بل فقط لأكشفنَّ عن ذلك، فأدركت في نفسي: إنَّ في محراب الفنّ، لا تكون الرّيشة مجرّد أداة، بل امتدادًا للرّوح، ترجمانًا صامتًا لصخب المشاعر في داخل الإنسان. نعم! فحين يتقدّ الشّعور في صدر الفنّان، لا يسلك سبيلًا مباشرًا نحو التّعبير، بل يتخفّى، يتلوّن، يتشظّى في صورٍ وأشكال لا يفهمها إلّا من أمعن النّطر فيما وراء الظّاهر. فالرّسم ليس تصويرًا لما يُرى، بل لما يُحَسّ، لما يُخَبَّأ خلف ستائر اللغة، لما لا يُقال. كلّ خطٍ، كلّ لونٍ، كلّ ظلٍّ على اللوحة، قد يكون صدى لحالة شعوريّة عابرة، أو جذوة متقدة من ماضٍ دفين، أو حتّى هروبًا من حاضرٍ يثقل على القلب.

وفي هذه اللّحظات من التّأمّل بينما كان الألم يعصر رأسي وتختلط الافكار في ذهني تساءلت: هل الرّسومات إختيار واعٍ لما نريد أن نعبّر عنه؟ أم انقياد خفيّ لقوى داخليّة لا ندركها تمامًا؟ أعتقد أنّني أبدأ في اكتشاف شيء عميق. فالعلاقة بين الشّعور والرّسم ليست علاقة سببيّة بسيطة، بل هي علاقة تشابكيّة معقّدة، يتداخل فيها اللاّوعيّ بالوعيّ، والذّكرى بالخيال، والواقع بالحلم، هنا ينشأ التّساؤل الحقيقيّ: كيف تسهم الحالة الشّعوريّة في تشكيل ما يتجلّى من الرّسومات الفنّيّة؟ أهل يُمكن تكون كلّ لوحة كمرآة لما نخفيه في أعماقنا؟

بما أنَّ كلّ رسمة فنّيّة تُعدّ عملاً إبداعيًا، يقتضي عليَّ أن أتحدّث عن سيرورة هذا الإبداع لأتمكّن من الإجابة على هذا السّؤال، فأقول:

إنَّ مسقط رأس أيّ عمل إبداعيّ فنّيّ هو الذّهن، حيث يتكوّن فيه، ثمّ ينتقل إلى مرحلة التّجسّد على الواقع. لكن لهذه الرّحلة بداية وحكاية، ولها أيضًا نهاية تتّخذ مسارًا خاصًّا. يظهر العمل الفنّيّ في أول لحظاته على هيئة صورة تخيليّة، تنبثق من ذهن الفنّان، كما يحدث حين يحاول إبداع رسمٍ لمنظر طبيعيّ، أو حين تتشكّل فكرة مجرّدة بين طيّات خياله. ولكن، يظلّ السّؤال الأهمّ معلقًا: كيف تتكوّن هذه الصّورة؟ هذا السّؤال هو ما يستحقّ أن نغوص فيه بعمق، لفهم العلاقة بين الحالة الشّعوريّة والعقل في تشكيل الصّورة الفنّيّة.

وجوابي لهذا السُّؤال يكون: إنَّ الصُّورة التخيليَّة للرّسومات الفنَّيِّة المتشكِّلة في الذِّهن ماهي إلّا نتّاج محاولة الشَّخص للإبداع في انتقاء الموجودات، والّتي قد تتجلَّى في هيئة صورة ذكرى او رمز ثقافي أو دينيّ أو فكرة تجريديَّة أو صورة نمطيّة أو حادثة معيَّنة أو إلى ما شابه، فالعقل ينتقي موجودًا تبعًا للحالة الشُّعوريَّة للشَّخص في اللّحظة ذاتها والناتجة من مؤثرات وحالة نفسِّيَّة أو عوامل عاطفيّة، بحيث يكون لهذه الحالة تأثيرًا لا واعيًا يختلف في شدَّته على فعل الانتقاء الّذي يكون في جوهره فعلاً واعيًا. فهو ينقاد–من حيث لا يدري المرء–لتأثيرٍ لا واعٍ. ويمكن ولا يلزم أن يكون المنتقى الموجود مطابق نوعًا للحالة الشُّعوريَّة، إنَّما اللّزوم يكمن في تأثير الحالة الشُّعوريَّة على كيفيَّة انتقاء الموجود. فمثلاً اذا كان الشَّخص في لحظة حزن، لا يعني بالضرورة أن يكون المنتقى الموجود شيئًا مؤلمًا أو كئيبًا، كدمعة أو مشهد يثير الأسى، فتلك هي فقط احتمالات ضمن خانة التجربة، بل ينتقي الأمثل بينهن فيرجِّح ظهور موجودًا على غيره بناءًا على الحالة الشُّعوريَّة الآنية، فهذه الحاله–تخلق ميّلاً نحو موجود بعينه–تجعله أكثر عرضه للظهور من سواه. كمثلاً انتقاء مشهد لغابة مظلمة أو ذكرى من طفولة سعيدة، رغم إنَّ تلك الذِّكرى أو الصُّورة قد لا تعكسان الحالة الشُّعوريَّة "الحزن" بصورة ظاهرة، إلا أنَّ المشاعر الخفية المرتبطة بهما تترك أثرًا غير مباشر على الانتقاء، حيث قد يحمل هذا الانتقاء شيئًا من الطُّمأنينة والرَّاحة إزاء تلك الذكرى، وهو ما عكَّسه الذِّهن بشكل غير مباشر. وإن ظهرت الصُّورة التخيليَّة في الذِّهن دون انتقاء مسبوق، فنحن لايمكننا وصفها بالعشوائيَّة تمامًا، فهي كذلك فقط نسبةً الى الإدراك الواعيِّ، وهي على غرار ذلك في مقام اللاواعيِّ، ففيه يكون الموجود منتقىً بشكل لا واعٍ، على عكس الانتقاء الاعتياديِّ، الّذي يكون فيه الموجود منتقىً بفعل واعٍ، ومع ذلك، لا يفتأ كلا النَّوعين متأثِّرين بالحالة الشُّعوريَّة، فالفرق الجوهري بين الإثنين يكمن في إدراك الفنّان لهذا التأثير أثناء الانتقاء. ففي الانتقاء الواعيّ، يكون الفنّان مدركًا لاختياره. أما في الانتقاء اللاواعيّ، فإنّ الموجود أو الصورة تتجلَّى في الذِّهن فتظهر على سطح التخيل على حين غرة، وكأنَّها ظهرت من العدم، بينما هي في الحقيقة ناتجة عن تأثِّير شعوري دفين، يحرّك العقل دون أن يشعر الفنَّان بمصدر هذا الحراك كأنَّه ذراعٍ خفيّ، حيث يكون أشبه بالحلم نراه دون أن نفهم بالضرورة كيف تَشكّل، في حين أن الانتقاء الواعيّ أقرب إلى التَّامُّل نعي فيه كيف ولماذا اخترنا ما اخترناه. ممّا يعني إنَّ الصُّورة التخيليَّة قد تتشكَّل في الذِّهن إما بانتقاءٍ واعٍ أو بانتقاء لا واعٍ. إنَّ هذه الخاصِّيَّة الفريدة في العقل التي تجعل الحالة الشُّعوريَّة تؤثِّر لزومًا على كيفية انتقاء الموجود، وكأنَّ بينهما رابطٌ خفيٌّ، آثرتُ أن اسَّميها خاصِّيَّة "الرَّبط الشُّعوريِّ التصُّويريِّ"، فبها تغدو الُّصورة المتشكِّلة في الذِّهن جسرًا بين حالة اللَّحظة الشُّعوريَّة الحاضرة وأطياف مخزون وتجارب الماضي السابقة.

ينبغي الإشارة إلى أنَّ قدرة العقل البشري على تكوين صورة متكاملة داخل الذِّهن محدودة، إذ لا يمكنه تصورها بجميع تفاصيلها دفعة واحدة. فالصّورة تتشكل جزئيًا في الذّهن، ثم تستكمل في الواقع عبر التجربة، سواءً كانت هذه التجربة قائمة على تصوّر ذهني مسبق، أو حدثت دون تخطيط واضح، مما يؤدي إلى ظهور الصّورة النهائية متكاملة في الواقع. فخاصّيّة الرّبط الشُّعوريِّ التصُّويريِّ تفسّر انتقاء عناصر الصّورة الأساسيّة أيّ جوهر الصورة، ممّا يعني أنَّه توجد عناصر ثانويّة وتبعات تكمل إبداع الصّورة، فقد تضيف نوعًا من الابداع يبدو احيانًا أكثر بروزًا من العناصر الأساسيّة، وهذه العناصر الثانوية تكون منسجمة مع الصّورة وذات صلة بها، ومع ذلك، لا يكنْ للحالة الشُّعوريَّة دورٌ مباشر في تكوينها، إذ تتشكل بشكل مستقل عنها. وقد يتسائل القارئ ماهي هذه العناصر الثانوية وتلك التبعات؟ دعوني أُوضحها بشكل موجز

إنَّ العناصر الثانوية هي تلك التي تضاف الى الصورة الأولية بعد انتقائها، وفق مبدأ أُسمِّيه "التجربة المتمردة في انتقاء العناصر" سواءٌ كان ذلك في الواقع أو في المخيلة. ولهذه التجربة أساليب عدة، فلا يوجد قولٌ كليٌّ أو قاعدة محددة تنطبق على جميع كيفياتها، لكن يمكن القول هو أنَّ كل اسلوب للتجربة المتمردة مهما تبدلت وجوهه تظلُّ غايته إعادة تشكيل وتكوين ماهو مخزونٌ في الذهن من موجودات بطريقة مبتكرة وغير مألوفة.


تنويه: الكلام الي تحت وإلى فقرة التفريق اخذته من عدّة دراسات علمود أخدم فكرتي، واختصرت بالشرح.

بعض الامثلة على هذه الأساليب: اعادة تركيب الصور غير المرتبطة: بمعنى دمج عناصر عشوائية أو متناقضة لأنتاج مشهد بمعني خفي كبحر تتناثر فيه الكتب (تلاطم الأفكار). أو التشويش الإبداعي: تغيير الابعاد أو الأشكال لتقديم العناصر بطريقة غير مألوفة كشجرة ممتدة جذورها من السماء (انقلاب المفاهيم). أو التحوير العاطفي للألوان: مثل رسم شارع مزدحم لكن بألوان هادئة (احساس بالعزلة)، وغيرها من الأساليب

أما التبعات فهي العوامل الثانوية التي تؤثر على عملية تشكيل الصورة أثناء تنفيذها، وهذه العوامل لا تنتمي إلى جوهر الصورة لكنها قد تغيّر مسارها أو تضيف إليها أبعادًا غير متوقعة، ك التفاعل مع المحيط بشكل واعٍ او لا واعٍ، او التأثير الزمني للتفكير، او الارتجال وغيرها من العوامل.